السيد محمد تقي المدرسي

75

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

حقل علمي ( علم التربية مثلًا ) بل إن العلم اكتشف آلياته وقوانينه أيضاً « 1 » فلو كان التسليم للقيم الاجتماعية خضوعاً آلياً . كما يراه « دوركايم » لما كان للانسان ان يتجاوز قيم المجتمع الذي يعتبره « دوركايم » الهاً ( سبحان الله ) . إن تغيير القيم عند الافراد دليل على عدم وجود حتميّة كاملة للقيم الاجتماعية . وأقوى شهادة على عدم وجود هذه الحتمية وجود نماذج اجتماعية يَتَحدّون المجتمع ويقاومون ضغوطه بكل شجاعة ، بل ويثوّرون عليه ويغيرون قيمه . وفي التأريخ مئات الشواهد التي تدل على اثر الافراد على قيم المجتمع ، وكيف ان الأنبياء والمصلحين استطاعوا صياغة مجتمع جديد بعد هدمهم لقيم المجتمع الفاسد الذي ظهروا فيه . وحين يعود المرء إلى ذاته يجد هذه الحقيقة بوضوح كاف ، انه إنما يخضع لقيم المجتمع بسبب وجود ضغوط معينة تتبلور عادة في الأعراف والقوانين التي يتعرّض المخالف لها لعقوبات أدبية ومادية متنوعة ، ولكنه يبقى حراً في أن يخضع أو لا يخضع لذلك المجتمع وهذا الوجدان يتعايش معه كل واحد منا كل يوم وفي أكثر من بعد . بل لو تبصّرنا قليلًا لوجدنا حياتنا اليومية سلسلة من الخيارات في هذا الحقل ، فهل يكون بعد ذلك أدنى شك في « حرية » الفرد تجاه آليات الضغط الاجتماعي ، التي يجب ان نجزءها ونبحثها آليه آليه ، ولا يجوز بحثها بصورة مطلقة ، وكأنها صخرة صلبة لا تتجزأ كما أراد دوركايم ، أليس البحث المطلق واصدار الاحكام الكاسحة بعيدَ عن روح العلم والتجربة التي يدعو إليها المنطق الوضعي « 2 » . ثالثاً : تعتمد المدرسة الاجتماعية على تغّير القيم في المجتمعات كدليل على أنها ناشئة المجتمع ، والواقع يعتبر هذا الدليل المزعوم أقوى ما اعتمدوه في كلامهم حيث يقول مثلًا د . قباري : ولكن صدور وجهة النظر النسبية ( relativity ) وظهور علوم « الاثنوجرافيا » و « الاثنولوجيا » والدراسات الانثروبلوجية الاجتماعية الحقلية ، قد جاءتنا بمبادئ هامة

--> ( 1 ) - راجع مثلًا : كتاب : ارتقاء القيم لمؤلفه د . خليفة والذي يعتمد بدوره على 243 مرجعاً علمياً . والكتاب بمجمله يبحث عن كيفية تكريس القيم وتغييرها . ( 2 ) - للمزيد من الاطلاع يمكن مراجعة المنطق الاسلامي أصوله ومناهجه للمؤلف . .